الشيماء

عيش السعداء

أرسل لصديقك طباعة

الحمد لله الذي أنشأ خلقه وبرا .. الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته .. وصرف أمورهم بحكمته .. الحمد لله الذي ذلت لعظمته الرقاب .. ولانت لقوته الصعاب .. وجرى بأمره السحاب .. الحمد لله .. الذي تسبحه البحار الزاخرات .. والأنهار الجاريات .. والجبال الراسيات .. أحمده سبحانه وحلاوة محامده تزداد مع التكرار .. وأشكره وفضله على من شكر مدرار .. والصلاة والسلام على النعمة المهداة .. والرحمة المسداة .. محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم .. أما بعد أيها الأخوة والأخوات .. خلق الله تعالى الخلق من أصل واحد .. وجعلهم يختلفون في أشكالهم وأحوالهم .. منهم الغني ومنهم الفقير .. ومنهم والأبيض والأسود .. والبخيل والكريم .. والشاكر واللئيم .. منهم التقي العابد .. الفاجر الفاسد .. ومنهم الصالح الزاهد .. والكافر الحاقد .. لكن هؤلاء جميعاً يتفقون في أنهم يسعون سعياً حثيثاً لتحصيل غاية واحدة .. هي السعادة .. فالتاجر الذي يمضي نهاره في التجارات .. والطالب الذي يقضي السنين بين المدارس والجامعات .. والموظف الذي يبحث عن أرفع المرتبات .. والرجل الذي يتزوج امرأة حسناء .. أو يبني منزلاً فاخراً .. كل هؤلاء إنما يبحثون عن السعادة .. بل والشباب والفتيات الذين يستمعون الأغنيات .. وينظرون إلى المحرمات .. إنما يبحثون عن السعادة .. سعة الصدر .. وراحة البال .. وصفاء النفس .. غايات تسعى النفوس لتحصيلها .. فعجباً لهذه السعادة الذي يكثر طلابها .. ويزدحم الناس في طريق الوصول إليها .. ولكن السؤال الكبير .. هل حصل أحد من هؤلاء على السعادة التي يرجوها ؟! هل هو في أنس وفرح حقيقي ليس فيه تصنع ولا تظاهر ؟ كلا بل - والله - أكثر هؤلاء كما قال أحدهم : ما لقيت الأنــام إلا رأوا مني ابتساماً وليس يدرون ما بي أُظهر الانشراح للنــاس حـتى يتمنــوا أنهم في ثيابي لو دروا أني شـقي حزين ضاق في صدره فسيح الرحاب لتناءوا عـني ولم يقربوني ثم زادوا نفـــورهم باغتيابي فكـأني آتي بأعظم ذنب لو تبدت تعاستي للصــحاب هكذا الناس يطلبون المنايا للذي بينهم جليل المصــاب وأول من يفقد السعادة هو من التمسها بمعصية الله تعالى .. فأصحاب المعاصي في الحقيقة ليسوا سعداء .. وإن أظهروا الانشراح والفرح .. ولا تغتر بظاهر عبيد الشهوة .. فإنهم يبتسمون ويضحكون .. ولكن قلوبهم على غير ذلك .. ووالله لو شاهدت هاتيك الصدور رأيتهــا كمراجل النـــيران ووقودها الشهوات والحسرات والالآم لا تخبو مدى الأزمـــان أرواحهم في وحشة وجسومهم في كدحها لا في رضى الرحــمن ما سعيهم إلا لطيب العيش في الدنيـا ولو أفضى إلى النـــيران هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطـــان لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم فقد ارتضوا بالذل والحرمــان لو ساوت الدنيا جناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفـــران لكنــها والله أحقـر عنده من ذا الجناح القاصر الطـــيران طبعت على كدر فكيف تنالها صفواً أهذا قـط في الإمكـــان والله لو أن القلوب سليمة لتقطعت أسفا من الحرمــــــان لكنها سكرى بحب حياتها الدنيا وسوف تفيق بعد زمـــــان بالله ما عذر امرئ هو مؤمن حقا بهذا ليس باليقظــــــان تالله لو شاقتك جنات النعيم طلبتهـا بنفائس الأثمــــــان ولكن لله تعالى أقوام عاشوا عيش سعداء .. أذاقهم الله طعم محبّته .. ونعّمهم بمناجاته .. وطهّر سرائرهم بمراقبته .. وزين رؤوسهم بتيجان مودّته .. فذاقوا نعيم الجنة قبل أن يدخلوها .. فلله درهم من أقوام عرفوا طريق السعادة فسلكوه .. وقد اشتاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا العيش فكان يدعو كما عند الترمذي وغيره ويقول : اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء .. ونزل الشهداء .. وعيش السعداء .. ومرافقة الأنبياء .. والنصر على الأعداء .. أولئك السعداء .. إذا ضاق صدر أحدهم بمصيبة .. أو اشتاقت نفسه إلى حاجة .. بسط في ظلمة الليل يداً سائلة .. وسجد بنفس واجلة .. وسأل ربه من خير كل نائلة .. وأحسن الظن بربه .. وعلم بأنه واقف بين يدي ملك .. لا تشتبه عليه اللغات .. ولا تختلط عنده الأصوات .. ولا يتبرم بكثرة السائلين وتنوع المسئولات .. إذا جن عليهم الليل .. وفتح ربهم أبواب مغفرته .. كانوا أولَ الداخلين .. فهم المؤمنون بآيات الله حقاً .. { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ } [ السجدة/18-16] روى البخاري ومسلم .. ن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكنت غلاما عمري 14 سنة ..وكنت أبيت في المسجد واتمنى أن أرى رؤيا حتى اسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم .. قال عبدالله فنمت ليلة من الليالي.. فرأيت كأن ملكين قد أتياني ثم قالا لي انطلق معنا فانطلقت معهما فمضيا بي حتى اوقفاني على النار فإذا هي كالبئر المطوية - أي مبنية من الداخل- .. وإذا لها قرنان .. وإذا فيها اقواما اعرفهم .. ففزعت منها واخذت أقول : أعوذ بالله من النار ..أعوذ بالله من النار ..فمر بنا ملك ثالث فلما رأى فزعي التفت الي وقال : لن ترع ..لن ترع ..فقال عبدالله ثم استيقظت من المنام فصليت الفجر وراء النبي عليه السلام حتى اسأله عن رؤياي فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته التفت إلى الناس ثم سألهم هل رأى احد منكم رؤيا قال عبدالله فأردت ان اسأله عن رؤياي فسئله فلان ثم أردت ان اسأله فسئله فلان آخر قال فتعدد السألون فلم استطيع ان اسأله بعد الفجر فلما جاء الضحى ذهبت إلى بيت اختي حفصة ثم قلت لها ياحفصة إني قد رأيت رؤيا و اريدك ان تسألي عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت ومارؤياك ؟ قلت لها قد رايت كأن ملكين قد آتياني ثم قالا لي انطلق معنا حتى اوقفاني على النار فإذا هي كالبئر المطوية ثم حدثها ببقية الرؤيا قالت حفصة إذا جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- سألته عن رؤياك فلما جاء النبي-صلى الله عليه وسلم-قالت له حفصة يا رسول الله قد كان هاهنا عبدالله ابن عمر قال ومايريد عبدالله ابن عمر قالت يا رسول الله زعم انه قد رأى رؤيا قال ومارؤياه قالت يا رسول الله زعم انه رأى كأن ملكين قد أتياه ثم قالا له انطلق معنا فانطلق معهما حتى اوقفاه على النار فإذا هي كالبئر المطوية ثم حدثت حفصة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرؤيا كلها .. السؤال بماذا عبر النبي-صلى الله عليه وسلم- هذه الرؤيا ..؟؟ هل اعطاها قصة حياة ابن عمر..؟ عبدالله ابن عمر عمّر قيل انه عاش مائة سنة وكف بصره في اخر عمره وتزوج كذا وكذا من النساء ورزق بكذا من الاولاد فهل اخبرها النبي -صلى الله عليه وسلم-بقصة حياته .. كلا..اعطاها اربع كلمات هذه الكلمات قلبت حياة عبدالله ابن عمر إلى ان مات سمعها وعمره 14 ومات وعمره مائة سنة وهذه الاربع كلمات غيرت برنامج حياته إلى ان مات فمااذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحفصة ..؟ انصت -صلى الله عليه وسلم- إلى الرؤيا حتى إذا انتهت التفت إلى حفصة ثم قال ياحفصة نعم الرجل عبدالله لوكان يصلي من الليل.. انتهى التعبير وخرج النبي-صلى الله عليه وسلم- جاء عبد الله مسرعا .. يجري مشتاقا يريد ان يعرف معنى رؤياه وتأويلها فلما جاء إلى اخته حفصة .. قال لها ياحفصة هل عبر النبي -صلى الله عليه وسلم- رؤياي قالت له نعم فقال لها فماذا قال لك النبي-صلى الله عليه وسلم-فقالت حفصة قد قال النبي-صلى الله عليه وسلم- نعم الرجل عبدالله لوكان يصلي من الليل.. فما ترك عبدالله ابن عمر صلاة الليل إلى ان مات.. قال عنه مولاه نافع : كبر سنّ عبد الله بن عمر .. وضعف جسده وكف بصره في آخر عمره فكان يغلبه النوم إذا صلى فكان إذا اراد ان يصلي جعل بجانبه اناء فيه ماء فكان يصلي ركعتين فإذا غلبه النوم سلم منهما ثم غسل وجهه فقام يصلي فإذا غلبه النوم سلم من ركعتين فغسل وجهه ثم قام يصلي فهذه حاله حتى يطلع عليه الفجر { كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [ الذاريات/18-17] الحرص على قيام الليل ومداومة الوتر هو دأب الصالحين السعداء وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الوتر فقال فيما رواه الترمذي وأصله في الصحيحين : ( إن الله وتر - اي ان الله واحد لاثاني له سبحانه- يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن ) .. واخبر النبي-صلى الله عليه وسلم-كما عند الترمذي ان الله تعالى يجمع لمن يصلي الوتر بين نعمتي الدنيا والآخرة .. قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد ) .. والعجب .. أن صلاة الوتر هي أسهل العبادات .. ومع ذلك يهملها كثير من الناس .. لو إن إنساناً صلى المغرب ..فقلنا له يافلان لم لا تصلي سنة المغرب ... سنة المغرب ركعتان فقال لنا ركعتان كثير.. أريد ان أصلي ركعة المغرب ركعة واحدة.. نقول له لايجوز ..اما ان تصلي ركعتين او لاتصليها ولو ان انسان حدثناه بفضل صلاة الضحى فتأثر من هذا الحديث.. وقال نعم سوف أصلي الضحى .. فكم أصلي قلنا له اقلها ركعتان.. فقال كلا أريد ان أصلي الضحى ركعة واحدة..لقلنا له لايجوز.. اقلها ركعتان.. ولايجوز ان تصلي لضحى ركعة واحدة .. صلاة الوتر هي أفضل من سنة المغرب وافضل من صلاة الضحى بل ذكر اهل العلم ..ان صلاة الوتر هي أفضل النوافل على الاطلاق ومع ذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم..كان يصليها أحد عشرة ركعة .. فإن ثقلت عليك فصلها تسع ركعات فإن شقّت فصلها سبعاً أو خمساً أو صلها ثلاثاً .. فإن تكاسلت نفسك عن ذلك فصلها ولو ركعة واحدة .. الله أكبر.. ولو ركعة وتكتب عند الله ممن صلوا الليل .. إذا جئ إلى الله يوم القيامة باسماء من قرؤا القرآن في ذلك اليوم ثم جئ باسماء من تصدق في ذلك اليوم اذا جيء إلى الله جل وعلا باسماء من صلوا تلك الليلة وجدت اسمك من بينهم وان كنت لم تصلي الا ركعة واحدة فكيف لو زدتها وصليتها ثلاث وكيف إذا زودتها وصليتها خمس فاحرص على مثل هذه الصلاة وكن من هؤلاء السعداء الذين احسنوا علاقتهم بربهم في الليل والنهار فإذا نزلت بك حاجة .. فصفَّ قدميك في المحراب .. وعفر وجهك في التراب .. واستعن بالملك الغلاب .. واصدق مع الله في لجئك .. وابك بين يدي ربك .. فإذا رأى الله منك الذل و الانكسار .. وصدق الحاجة والاعتذار .. كشف عنك الضر .. ومنَّ عليك بانشراح الصدر .. فعندها تذوق لذائذ الصالحين .. وتحيا حياة المطمئنين .. وفي القلب فاقة لا يسدها إلا محبة الله والإقبال عليه .. والإنابة إليه .. ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه : أن رجلاً فقيراً بدمشق كان له بغل يكاري عليه يعني يؤجره على الناس وينقلهم من مكان إلى مكان في احد الايام جاء اليه رجل فقال له اريدك ان توصلني إلى الزبداني وهو مكان قريب من دمشق قال له نعم اركب فلما ركب ذاك الرجل سار إلى الزبداني فمر باثناء الطريق بطريق غير مسلوكة فقال ذاك الراكب لصاحب البغل خذ من هذا الطريق فانه اقرب فقال صاحب البغل والله لااعرف هذه الطريق ولم اسلكها من قبل فقال الراكب بل خذ من هذا الطريق أنا اعرفه هو اقرب ثم مضى يمشي فيه قال فإذا بطريق وعر واذا بطريق موحش فلم نزل يمشي في هذا الطريق الموحش حتى انتهينا إلى مكان وعر جدا وواد سحيق ..فيه قتلى كثيرون فقال لما رايت هؤلاء القتلى فزعت فزعا شديدا ونظرت إلى هذا الراكب فقال لي :أمسك رأس البغل لانزل ..قال فأمسكت راس البغل ثم نزل وسل سكيناً معه وقصدني .. قال ففزعت منه وقلت ماذا تريد ؟؟ قال أريد قتلك قلت اتق الله لايحل لك ذلك خذ البغل بما حمل قال البغل لي وانما أريد قتلك فخوفته بالله وذكرته بالدار الاخرة فقال لي كل هؤلاء قد قالوا مثل كلامك وقتلتهم فلما رأيت فكبرت لاصلي ركعتين فوالله ماعقلت من صلاتي شيئا وانسيت القرآن كله فلم اذكر من القران شيئا وذاك الرجل ينخزني بسكينه ويقول عجل افرغ..عجل افرغ.. قال فبينما أنا على ذلك.. احاول ان اتذكر شيئا من القران اذ اجرى الله عز وجل على لساني قوله تعالى { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [ النمل/62] قال فقرأتها مرة ومرتين وثلاث واربع فلما قرأتها الرابعة فإذا بفارس قد أقبل من اعلى الوادي وبيده حربة بيضاء حتى وقف الينا ثم رمى هذه الحربة فرمى فما أخطأت فؤاد صاحب السكين فخر صريعاً مجندلا يتشحط في دمه قال فلما رأيت ذلك .. فرحت بذلك وتعجبت من صاحب الفرس من اين اقبل.. فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت ومن اين جئت وكيف عرفت عن مكاني وحالي ؟ فقال لي: أنا عبد الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. أنا ملك من السماء الرابعة.. فسبحان من لايغفل قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالماً. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر وضاق صدره .. فزع إلى الصلاة .. .. وقد قال صلى الله عليه وسلم : جعلت قرة عيني في الصلاة .. وكان للصالحين مع الصلاة شأن عجيب .. وكان يقول أرحنا بالصلاة يا بلال .. وكان إذا حزبه امر او ضاق صدره من شيء فزع إلى الصلاة وكان للسلف الصالح شأن عجيب قال أبو صالح ابن أخت مالك بن دينار : كان خالي إذا جنَّ عليه الليل .. دخل إلى غرفة ثم اقفل على نفسه فلم يفتحها حتى يؤذن للفجر فعجبت ماذا يفعل في تلك الغرفة فتذكرت يوما واختبأت في احدى زواياه..ثم اغلق على نفسه الباب ولم يرني ثم فرش سجادته ثم رفع يديه فبكى ثم لما سكن بكاؤه رفع يديه ليصلي ثم غلب البكاء فبكى.. فلما يرفع يديه فلا يقوى فيغلبه البكاء حتى سمع اذان الفجر قال لما سمع اذان الفجر.. قبض على لحيته.. وهزها وقال اللهم إذا جمعت الاولين والاخرين فحرم شيبة مالك على النار.. وقال أبو سليمان الداراني يقول : بينما أنا ساجد بالليل إذ غلبني النوم .. فإذا أنا بحوراء ..لم أر اجمل منها .. فركضتني برجلها وقالت :حبيبي أترقد عيناك .. والـمَـلِك يقظان ينظر إلى المتهجدين ؟ بؤساً لعين آثرت لذة نوم على لذة مناجاة العزيز .. قم فقد دنا الفراغ .. ولقي المحبون بعضهم بعضاً .. فما هذا الرقاد ؟ حبيبي وقرةَ عيني .. أترقد عيناك ؟؟ وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام ؟ .. الله أكبر تعب هؤلاء في الصلوات .. وفارقوا الشهوات .. حتى تزينت لهم الحور في الجنات .. { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } [ فاطر/29-30] وأينما جالست هؤلاء السعداء .. وجدت أنهم أبعدُ الناس عما يغضب ربهم .. قطع خوف الله قلوبهم .. وملأت محبته نفوسهم .. علموا أن الله غافرُ الذنب .. وقابلُ التوب .. لكن ذلك لم ينسهم أنه شديد العقاب ..دقيق الحساب .. إذا رضي رحم .. ورحمته وسعت كل شيء .. ولكن إذا غضب لعن .. ولعنته لا يقوم لها شيء .. روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فلما قفلنا راجعين من تلك الغزوة.. قام غلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم حمل رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ليضعه على الدابة فماكاد ذلك الرحل يستقر على الدابة حتى اطلق سهم على ذلك الغلام فوقع في صدره فمات من ساعته مايدرون من اطلقه .. فلما مات الغلام وتشحط في دمائه وراى المسلمون حاله .. ورأى المسلمون حاله..علموا ان هذا قد قتل وهو راجع من جهاد وقد ترك اهله وماله في المدينة ثم قتل وهو يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا حال هذا الغلام .. كبروا وقالوا الله اكبر هنيئا له الجنة..هنيئا له الشهادة-.. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم-ذلك وهو الذي ينبؤ من الوحي بما لاينبؤن قال لهم كلا .. والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها من المغانم لتشتعل عليه ناراً .. ولا يجر العبد إلى المعاصي الكبار إلا تساهلُه بالصغار .. وقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال وهو يكلم التابعين .. وحسبك بهم عبادة وزهدا وورعاً .. يقول لهم : إنكم لتعملون أعمالاً .. هي أدق في أعينكم من الشعر .. كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات يعني المهلكات .. وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كتاباً قال له فيه : وإذا أحببت أن تحقر عملك .. فتفكر فيما أنعم الله عليك .. وقدر ما عمل الصالحون قبلك .. وقدر عقوبته من الذنوب .. إنما فعل الله بآدم الذي فعل بأكلة أكلها .. فقال عنه : { وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } [ طه/121] وإنما لعن إبليس وجعله شيطاناً رجيماً .. من أجل سجدة أبى أن يسجدها .. ولعن اليهود .. وجعل منهم قردة وخنازير من أجل حيتان أصابوها يوم السبت وقد نهوا أن يصيدوا فيه .. فتفكر في هذا كله واعلم ان الجنة فيها نعيم اعظم وفيها كرامة وملك.. فإذا علمت ذلك عرفت نفسك وحقرت عملك وكم من الناس - أيها الأخوة - يتساهل بالمحرمات فإذا نُصح قال لك: أنا ما فعلت شيئاً . والناس يفعلون أعظم مما أفعل .. والله تعالى يقول : { إوَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } [ النور/15] ومن هانت عظمة ربه في نفسه .. فتساهل بالمعاصي والمخالفات .. فليعلم أنه ما ضرّ إلا نفسه .. وأن لله تعالى عباداً لا يعصون الله ما أمرهم .. ويفعلون ما يؤمرون .. وهم أكثر منا عدداً .. وأعظم تعبداً وخوفاً .. روى البخاري ومسلم أن في السماء بيتاً يسمى بالبيت المعمور يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك فيصلون ثم يخرجون منه .. ولا يعودون إلى يوم القيامة .. وصحّ فيما رواه أبو داود والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرةُ سبعمائة عام ) .. وصح عند الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إني ارى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون إن السماء أطت ( يعني ثقلت من شدة ما فوقها ) وحق لها أن تئط ، ما منها موضع أربع أصابع ، إلإ وعليه ملك واضع جبهته ساجداً لله ،والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل ) .. وأخرج المروزي بإسناد حسّنه ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله تعالى ملائكةٌ ترعد فرائصهم من خيفته .، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه ، إلا وقعت على ملك يصلي .. وإن لله عز وجل ملائكةٌ سجود لله مذ يومَ خلق الله السماوات والأرض ، لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعون إلى يوم القيامة .. وملائكةٌ ركوع لم يرفعوا رؤوسهم ، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة .. وصفوفٌ لم ينصرفوا عن مصافهم ، ولا ينصرفون عنها إلى يوم القيامة .. وإذا رفعوا ونظروا إلى وجه الله تعالى قالوا : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ) .. والله تعالى يقول: { إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [ الأعراف/206] ولما عظمّ هؤلاء السعداءُ ربهم حق التعظيم .. قاموا على أقدام الخوف .. فخافوا من ويلات الذنوب .. وتركوا لذة عيشهم .. في سبيل أن يلقوا ربهم وهو راض عنهم .. ماعز بن مالك رضي الله عنه .. أصل قصته في الصحيحين وأسوقها لكم من مجموع رواياتها .. كان ماعز شاباً من الصحابة .. متزوج في المدينة .. وسوس له الشيطان يوماً .. وأغراه بجارية لرجل من الأنصار .. فخلا بها عن أعين الناس .. وكان الشيطان ثالثَهما .. فلم يزل يزين كلاً منهما لصاحبه حتى زنيا .. فلما فرغ ماعز من جرمه .. تخلى عنه الشيطان .. فبكى وحاسب نفسه .. ولامها ..وزجرها .. وخاف من عذاب الله .. وضاقت عليه حياته .. وأحاطت به خطيئته .. حتى أحرق الذنب قلبه .. فجاء إلى طبيب القلوب .. ووقف بين يديه وصاح من حرّ ما يجد وقال : يا رسول الله .. إن الأبعد قد زنى .. فطهرني .. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم .. فجاء من شقه الآخرَ فقال : يا رسول الله .. زنيت .. فطهرني .. فقال صلى الله عليه وسلم : ويحك ارجع .. فاستغفر الله وتب إليه .. فرجع غير بعيد .. فلم يطق صبراً .. فعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله طهرني .. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ويحك .. ارجع فاستغفر الله وتب إليه .. قال : فرجع غير بعيد .. ثم جاء فقال : يا رسول الله طهرني .. فصاح به النبي صلى الله عليه وسلم .. وقال : ويلك .. وما يدريك ما الزنى ؟ .. ثم أمر به فطرد .. وأخرج .. ثم أتاه الثانية ، فقال : يا رسول الله ، زنيت .. فطهرني .. فقال : ويلك .. وما يدريك ما الزنى ؟ .. وأمر به .. فطُرد .. وأخرج .. ثم أتاه الثالثةَ .. والرابعةَ كذلك .. فلما أكثر عليه .. سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قومَه : أبه جنون ؟ قالوا : يا رسول الله .. ما علمنا به بأساً .. فقال -صلى الله عليه وسلم- : أشرب خمراً ؟ فقام رجل فاستنكهه وشمّه فلم يجد منه ريح خمر .. فقال صلى الله عليه وسلم : هل تدري ما الزنى ؟ قال : نعم .. أتيت من امرأة حراماً ، مثلَ ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً .. فقال صلى الله عليه وسلم : وما تريد بهذا القول ؟ قال : أريد أن تطهرني .. قال صلى الله عليه وسلم : فنعم .. فأمر به أن يرجم .. فرجم حتى مات -رضي الله عنه-.. فلما صلوا عليه ودفنوه مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على موضعه مع بعض أصحابه .. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه : أنظر إلى هذا .. الذي ستر الله عليه ولم تدعه نفسه حتى رُجم رَجم الكلاب .. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم ساروا ساعة .. حتى مر بجيفة حمار .. قد أحرقته الشمس حتى انتفخ وارتفعت رجلاه .. فقال صلى الله عليه وسلم : أين فلان وفلان ؟ قالا : نحن ذانِ .. يا رسول الله .. قال : انزلا .. فكلا من جيفة هذا الحمار .. قالا : يا نبي الله !! غفر الله لك .. من يأكل من هذا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ما نلتما .. من عرض أخيكما .. آنفا أشدُّ من أكل هذه الميتة .. لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم .. والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها .. فطوبى .. لماعز بن مالك .. نعم وقع في الزنى .. وهتك الستر الذي بينه وبين ربه .. فلما فرغ من معصيته .. ذهبت اللذات .. وبقيت الحسرات .. تفنى اللذاذة من من نال صفوتها من الحرام ويبقى الذل والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار.. فلما ارحقت قلبه الحسرات والويلات..اشتاق إلى لقاء ربه ومغفرة الله فتاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم .. صبروا قليلا فاستراحوا دائما يا عزة التوفيق للإنسان والرب ليس يضيع ما يتحمل لمتحملون لأجله من شان ويذكر الرحمن واحدهم مذاكرة الحبيب يقول يا بن فلان هل تذكر اليوم الذي قد كنت فيه مبارزا بالذنب والعصيان فيقول رب أما مننت بغفرة قدما فانك واسع الغفران فيجيبه الرحمن مغفرتي التي قد أوصلتك إلى المحل الداني جاؤا فرادا مثلما خلقوا بلا مال ولا اهل ولااخوان مامعهم شيء سوى الاعمال متاجر للنار او للجنان ولا يعني كلامنا عن ماعز رضي الله عنه أننا نطالب من كل من وقع في كبيرة أن يطالب بإقامة الحدّ عليه .. كلا لكن الذي نريده هو أن لا تتمكن المعصية من القلب حتى يألفها ولا يحدث منها توبة .. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أحوال القلوب فقال كما في صحيح مسلم : ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا . فأي قلب أشربها - قبل الفتنة - نكت فيه نكتة سوداء .. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء .. حتى تصير القلوب على قلبين .. على أبيض كالصفا .. فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض .. والآخر أسود مرباداً .. كالكوز مجخياً -كالاناء المصنوع من الطين المقلوب على وجهه فلا يزال في ظلمة على ظلمة- لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه .. ) فأين تلك القلوب البيضاء التي ترتجف إذا وقعت في المعصية .. فتسارع إلى التوبة والإنابة .. فإن التساهل بالذنوب هو طريق السوء والخذلان .. في الدنيا والآخرة .. ذكر ابن الجوزي في ذم الهوى .. أنه كان ببغداد رجل يطلق بصره في المحرمات .. ويتتبع الشهوات .. ذكر فلم يدكر .. وزجر فلم ينزجر .. فاجتاز يوماً بباب رجل نصراني .. فاطلع داخل البيت فرأى ابنة لهذا النصراني جميلة فتعلق بها قلبه .. فحاول ان يدخل عليها فمنع من ذلك .. وحاول ان يتزوجها فحيل بينه وبين ذلك فلم يزل يتتبع اخبارها ويراسلها حتى وقعت هي في حبه وهامت به .. وعشقته.. فلم يزل كل واحد منهما يرسل للآخر ويحاول ان يراه فلايستطيع.. فاشتد شوقه اليها حتى اصاب في عقله مايشبه الجنون فحمل حتى القي في المارستان وهو البيت الذي يحبس فيه المجانين.. فكان لايزوره الاصديقا له يأتي اليه.. ويتفقد اخباره ويخبره باخبار صاحبته التي يعشقها وفي يوم من الايام جاءت اليه امه فلم ينظر اليها ولم يكلمها .. فاشتكت إلى صديقه ذلك فاخذها بيدها ودخل على صاحبه في ذلك البيت وقال ان فلانة ارسلت اليك رسالة مع امك فاستمع اليها فكلمته امه.. فنظر إلى امه وسألها عن الخبر والحال وماذا قالت لك فلانة.. فبدأت الام المسكينة تخترع كلام من عندها وتؤلف قصص وتقول قد قالت لك كذا.. وهي تحبك وتهيم بك وتشتاق لك حتى تسمع كلام ولدها وهو يقول ايه حدثيني حتى ازداد هيمانه بها وشوقه اليها وخرجت امه وصديقه من عنده ثم جاء اليه صديقه بعد زمان يزوره.. فلما جاء اليه وحده متغير الحال.. هزيل البدن وسئله عن حاله وقال يافلان مالذي غير حالك فقال ذلك المريض العاشق : ياصديقي اني ارى والله انه قد جاء الأجل .. وحان الوقت .. واقتربت الساعة التي اموت فيها وما لقيت صاحبتي في الدنيا .. وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة .. قال صديقه فقلت : ستلقى خيراً منها في الآخرة .. فقال : لا أريد إلا هي .. قلت : لا سبيل لك إلى ذلك .. وأنت مسلم وهي نصرانية .. فشهق بأعلى صوته وقال : هي نصرانية وانا مسلم فلانجتمع يوم القيامة ..كلا.. فإني أرجع عن دين محمد .. وأؤمن بعيسى والصليبِ الأعظم .. فصحت به اتق الله .. ولا تكفر .. ما عند الله خير وأبقى .. فبكى وأخذ يشهق حتى مات .. فتولى أهل المارستان أمره .. ومضيت أنا إلى تلك المرأة .. فتحيلت حتى دخلت عليها ..فوجدتها مريضة .. وجعلت أحدثها عنه .. فلما علمت بموته صاحت وقالت : أنا ما لقيت صاحبي في الدنيا .. وأريد أن ألقاه في الآخرة .. وأني أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..وأنا بريئة من دين النصرانية .. داخلة في دين الاسلام فنهرها أبوها ..فبكت .. واشتدَّ بكاها .. فقال أبوها : خذها إليكم فلا أساكن من فارقت دينها .. قال : فلم تلبث بعد ذلك إلا يسيراً .. وماتت .. نعوذ بالله من الخذلان .. ووساوس الشيطان .. وكم من امرأة ورجل تلذذت منهما العينان .. وأطربت الأذنان .. لكن عاقبة ذلك الذلُ والهوان .. وعذابُ النيران .. ولا يظلم ربك أحداً .. فمن استقام على دين الله عاش عيش السعداء .. وختم بخاتمة الأتقياء .. وحشر مع الأتقياء .. ورافق الأنبياء .. { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } [ فصلت/30-32] والسعداء قوم كثر في الدنيا اجتهادهم .. فعلت بين الناس رتبهم .. حتى أصبحوا لا يقاسون عند الله بأشكالهم ولابأحجامهم وإنما يرتفعون عند الله بأعمالهم .. التي يتقربون إلى الله بها روى الإمام أحمد وغيرُه .. أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فمرا بشجرة فأمره النبي أن يصعدها وأن يحتزَّ له عوداً يتسوك به .. فرقى ابن مسعود وكان خفيفاً نحيل الجسم .. فأخذ يعالج العود لقطعه .. فأتت الريح فحركت ثوبه وكشفت ساقيه .. فإذا هما ساقان دقيقتان صغيرتان .. فلما رأى القوم دقت ساقيه.. ضحكوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ممّ تضحكون ؟! .. من دقة ساقيه ؟! والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من جبل أحد .. ما الذي أثقلهما في الميزان .. إنه طول القيام .. ومداومة الصيام .. وما حملته ساقاه إلى حرام .. أما غير ابن مسعود ممن زينوا ظواهرهم .. وأهملوا بواطنهم .. بيّضوا ثيابهم وسوّدوا قلوبهم .. فقد قال فيهم أبو القاسم صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : ( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة .. ثم قال صلى الله عليه وسلم : اقرءوا إن شئتم{ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً } [ الكهف/105] وإن الإنسان كلما أعرض عن طاعة مولاه .. وازداد انخراطاً في اللذات .. واتباعاً للشهوات .. نزع الله منه أسباب السعادة . وسلط عليه الضيق والهموم .. ولا يرُفع عنه ذلك إلا بالتوبة إلى الله والرجوع إليه .. لماذا ؟ لأن انشراح الصدر .. ولذة العمر .. نعم عظيمة لا يعطيها الله إلا لمن يحب .. لذا امتن الله بها على رسوله وقال له { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [ الشرح/1] وأول عقوبات المعاصي ضيق الصدر .. ولو علم العاصي والعاصية .. ما في العفاف والطاعة من اللذة والسرور .. والانشراح والحبور .. لعلموا أن الذي فاتهم من لذة الإيمان .. أضعافُ ما حصل لهم من لذة معصية عابرة .. فضلاً عما يكون يوم القيامة .. قال ابن عباس رضي الله عنه : إن للحسنة نوراً في القلب .. وضياء في الوجه .. وسعة في الرزق .. ومحبة في قلوب الناس .. وإن للسيئة ظلمة في القلب .. وسواداً في الوجه .. ووهناً في البدن .. وبغضة في قلوب الخلق .. وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار .. وصدق الله إذ قال: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنعام/125] فأهل الهدى والإيمان لهم انشراح الصدر واتساعه .. وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والبلاء .. والكربة والشقاء .. وانفراط الأمر .. وتعاسة العمر .. وقد قال الله : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [ الكهف/28] إن الملل الدائم الذي ينزله الله بمن عصاه .. أو طلب السعادة والأنس في غير رضاه .. ليضيق على أهل المعصية دنياهم .. وينغص عليهم عيشهم .. حتى يتحول ما يسعون وراءه من متع إلى عذاب يتعذبون به . لماذا .. لماذا يتحول سماعهم للغناء .. ومواقعتهم للفحشاء .. وشربهم للخمر .. ونظرهم إلى الحرام .. لماذا يتحول هذا إلى ضيق بعد أن كان سعة .. وحزن بعد أن كان فرحة .. لماذا ؟ لأن الله تعالى خلق الإنسان لوظيفة واحدة .. لا يمكن أن تستقيم حياته لو اشتغل بغيرها .. { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات/56] فإذا استعمل الإنسان جسده وروحه لغير الوظيفة التي خالق لأجلها تحولت حياته إلى جحيم .. لو أن رجلاً يمشي في طريق فانقطع نعله فجأة فلما رأى ذلك قال : لا مشكلة أستعمل القلم بدل النعل ثم وضع نعله تحت رجله وأراد المشي لقلنا له : أنت مجنون لأن القلم صنع للكتابة ولم يصنع للمشي ..ولا يمكن ان يستعمل في وظيفة ثانية بل ينكسر وكذلك احتاج قلماً فلم يجد فقال : لا مشكلة أكتب بحذائي ثم تناول حذاءه وبدأ يجرّه على الورق !! لقلنا له : أنت مجنون لأن الحذاء إنما صنع لوظيفة واحدة هي المشي ولم يصنع للكتابة .. وكذلك الإنسان خلق لوظيفة واحدة هي طاعة الله وعبادته .. فمن استعمل حياته لغير هذه الوظيفة فلا بدَّ أن يضل ويشقى .. ولو نظرت في حال من استعملوا حياتهم لغير ما خلقوا له لوجدت في حياتهم من الفساد والضياع ما لا يوجد عند غيرهم .. لماذا يكثر الانتحار في بلاد الإباحية والفجور .. لماذا ينتحر في أمريكا سنويا أكثر من خمسة وعشرين ألف شخص .. وقل مثل ذلك في بريطانيا .. وقل مثله في فرنسا .. وفي السويد .. وإيطاليا ..وغيرها .. لماذا .. ألم يجدوا خموراً يشربون ؟ كلا ..الخمور كثيرة .. ألم يجدوا بلاداً يسافرون ؟ كلا ..البلاد واسعة .. أو منعوا من الزنى ؟ أم حيل بينهم وبين الملاعب والملاهي .. أو أقفلت في وجوههم الحانات والبارات .. كلا .. بل هم يفعلون ما شاءوا .. يتقلبون بين متع أعينهم .. وأبصارهم وفروجهم .. إذن لماذا ينتحرون .. لماذا يملون من حياتهم ؟ لماذا يتركون الخمور والزنى والملاهي .. ويختارون الموت .. لماذا .. الجواب واضح { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [ طه/124] تلاحقه المعيشة الضنك في ذهابه ومجيئه .. وسفره وإقامته .. تأكل معه وتشرب .. تقوم معه وتقعد .. تلازمه في نومه ويقظته .. تنغّص عليه حياته حتى الموت .. ومن أعرض عن الله وتكبر .. ألقى الله عليه الرعب الدائم .. قال الله { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ } [ آل عمران/151] أما العارفون لربهم .. المقبلون عليه بقلوبهم فهم السعداء { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النحل/97] حدثني أحد الدعاة أنه ذهب للعلاج في بريطانيا .. قال : فأدخلت إلى مستشفى من أكبر المستشفيات هناك .. لا يكاد يدخله إلا كبير أو وزير .. فلما دخل عليَّ الطبيب ورأى مظهري قال : أنت مسلم ؟ قلت : نعم .. الحمدلله فقال : هناك مشكلة تحيرني منذ عرفت نفسي .. هل يمكن أن تساعدني في حلها ؟ قلت : نعم .. فقال : أنا عندي أموال كثيرة .. ووظيفة مرموقة .. وشهادة عالية .. وقد جربت جميع المتع .. شربت الخمور المتنوعة .. وواقعت الزنى ..وسافرت إلى بلاد كثيرة .. ومع ذلك .. لا أزال أشعر بضيق دائم .. وملل من هذه المتع .. حتى عرضت نفسي على عدة أطباء نفسيين .. وفكرت في الانتحار عدة مرات لعلي أجد حياة أخرى .. ليس فيها ملل .. ألا تشعر أنت بمثل هذا الملل والضيق ؟! فقلت له : لا والله.. بل أنا في سعادة دائمة .. وسوف أذلك على حل المشكلة .. ولكن أجبني .. قال له ماذا تريد؟ قال: أنت إذا أردت أن تمتع عينيك فماذا تفعل ؟ فقال : نظر إلى امرأة حسناء أو منظر جميل .. قلت : فإذا أردت أن تمتع أذنيك فماذا تفعل ؟ قال : أستمع إلى موسيقى هادئة .. قلت : فإذا أردت أن تمتع أنفك فماذا تفعل ؟ قال : أشم عطراً .. أو أذهب إلى حديقة .. قلت له : حسناً .. إذا أردت أن تمتع عينك لماذا لا تستمع إلى موسيقى ؟ فعجب مني وقال : لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالأذن .. قلت : فإذا أردت أن تمتع أنفك لماذا لا تنظر إلى منظر جميل ؟ فعجب أكثر وقال : لا يمكن لأن هذه متعة خاصة بالعين .. ولا يمكن أن يتمتع بها الأنف .. قلت له : حسناً .. وصلت إلى ما أريده منك .. أنت تحس بهذا الضيق والملل في عينك ؟ قال : لا .. قلت : تحس به في أذنك .. في أنفك .. فمك .. قال : لا أحس به في قلبي .. في صدري .. قلت : أنت تحس بهذا الضيق في قلبك .. والقلب له متعة خاصة به .. لا يمكن أن يتمتع بغيرها .. ولا بدَّ أن تعرف الشيء الذي يمتع القلب .. لأنك بسماعك للموسيقى .. وشربك للخمر .. ونظرك وزناك .. لست تمتع قلبك وإنما تمتع هذه الأعضاء .. فعجب الرجل .. وقال : صحيح .. فكيف أمتع قلبي ؟ قلت : بأن تشهد أن لا إله إلا الله .. وأن محمداً رسول الله .. وتسجد بين يدي خالقك .. وتشكو بثك وهمك إلى الله .. فإنك بذلك تعيش في راحة واطمئنان وسعادة .. فهزّ الطبيب رأسه وقال : أعطني كتباً عن الإسلام .. وادعُ لي .. وسوف أسلم .. ورجع صاحبي من بريطانيا ولعل اسلم بعد ذلك وصدق الله إذ قال : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس/58-57] فعجباً لأقوام يلتمسون الأنس والانشراح .. ويبحثون عن السعادة في غير طريقها .. والله يقول : { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } [ الجاثية/21] ففرّق الله بين عيش السعداء .. وعيش الأشقياء .. في المحيا والممات .. بل إن المحسن كلما ازداد إحساناً في الدنيا .. عظمت لذته وسعادته .. وأحسن الله إليه في رزقه .. وولده .. ووظيفته .. ومسكنه .. أحسن إليه في كل شيء .. ورزقه من حيث لايحتسي قال تعالى : { قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر/10] ذكر أصحاب السير وأصل القصة في صحيح مسلم .. أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه الصحابي الجليل .. قتل أبوه في معركة أحد .. وخلف عنده سبع أخوات ليس لهن عائل غيره .. وخلف ديناً كثيراً .. على ظهر هذا الشاب الذي لا يزال في أول شبابه .. فكان جابر دائماً ساهم الفكر .. منشغل البال بأمر دَينه وأخواته .. والغرماء يطالبونه صباحاً ومساءً .. خرج جابر مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع .. وكان لشدة فقره على جمل كليل ضعيف ما يكاد يسير .. ولم يجد جابر ما يشتري به جملاً حسنا .. فسبقه الناس في رجوعهم وصار هو في آخر القافلة .. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في آخر الجيش .. فأدرك جابراً يدبّ به جمله .. والناس قد سبقوه .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مالك يا جابر ؟ قال : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا ..جمل كليل مايكاد يسير فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنخه .. فأناخه جابر وأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته .. ثم قال : أعطني العصا من يدك أو اقطع لي عصا من شجرة ..فناوله جابر العصا .. فاخذ -صلى الله عليه وسلم-العصا فنخز بها نخزات فقام وانطلق بإذن الله وركبه جابر ثم بدأ جابر يمشي على جمله بجانب ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- فالتفت اليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا بشاب في اول شبابه عليه من الهموم والغموم الشيء الكثير فأراد ان يلاطفه ويسأله عن حاله فقال له -صلى الله عليه وسلم- ياجابر فقال لبيك يا رسول الله قال له : هل تزوجت ياجابر.؟. قال نعم يا رسول الله تزوجت فقال -صلى الله عليه وسلم- بكرا ام ثيبا فقال جابر بل ثيبا يا رسول الله فتعجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اذ قد جرى العرف ان الذي يتزوج لأول مرة انه يتزوج بكرا فقال -صلى الله عليه وسلم- لجابر وأراد ان يلاطفه : ياجابر هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك فقال : يا رسول الله ان ابي قد قتل في احد وخلف عند 7 فتيات شابات ليس لهن عائلا غيري فكرهت ان اتزوج فتاة مثلهن فتكثر بينهن الخصومات .. فتزوجت امرأة اكبر منهن حتى تقوم عليهن وتكون مثل امهن فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: احسنت ياجابر فمضيا فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى جابر فأراد ان يدخل السرور إلى قلبه اذ أنه لايزال حديث عهد بعرس فقال له ياجابر لعلنا إذا اقبلنا إلى المدينة ان ننزل في صرار -وهو موضع قبل المدينة بثلاث اميال- فنأمر بجزور فينحر لنا ثم نقيم على ذلك الجزور يومنا نتغدى فتسمع بنا زوجتك فتفرش لك النمارق. فلما سمع جابر ذلك تذكرفقره ومسكنته فقال يا رسول الله ماذا تفرش؟ تفرش النمارق..؟ يا رسول الله والله ماعندنا نمارق فقال -صلى الله عليه وسلم- انها ستكون لكم وسائد ان شاء الله ثم مضيا ثم اراد النبي -صلى الله عليه وسلم- ان يحسن إلى جابر بمال ولكن خشي ان يعطي المال صريحا فيشعر جابر بالمسكنة والفقر فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- ان يحسن الطريق في اعطاء جابر المال فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لجابر: هل تبيعني جملك قال والله ماعندي غير هذا الجمل .. هو الذي نستقي عليه.. هو الذي نحتطب عليه.. هو الذي نسافر عليه فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- بعني اياه قال خذه يا رسول الله قال لا بالثمن قال جابر سمه يا رسول الله .؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بدرهم قال جابر يا رسول الله جمل بدرهم؟تغبنني يا رسول الله قال بدرهمين قال لا تغبنني يا رسول الله فما زالا يتزايدان حتى بالغا به أربعين درهماً .. أوقية من ذهب .. فقال جابر : نعم .. ولكن أشترط عليك أن أبقى عليه إلى المدينة .. قال صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم : نعم لك ذلك .. فلما وصلوا إلى المدينة .. مضى جابر إلى منزله وأنزل متاعه من على الجمل ثم مضى ليصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم وربط الجمل عند المسجد .. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم قال جابر : يا رسول الله هذا جملك .. فقال صلى الله عليه وسلم : يا بلال .. أعط جابراً أربعين درهماً وزده .. ثم مضى جابر بالمال يقلبه بين يديه .. هو بين فرح بهذا المال وبين حزن على فراق ذلك الجمل.. فلما ابعد جابر التفت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بلال وقال له : يابلال خذ الجمل واعطه جابر وقل له المال والجمل لك اخذ بلال الجمل يجره حتى وصل إلى جابر.. فتعجب جابر لما رأى الجمل فقال بلال ياجابر خذ الجمل والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لك : المال والجمل لك فعجب جابر من ذلك فأخذ الجمل وذهب به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال يا رسول الله لقد اشتريت الجمل فلم اعتده الي فقال -صلى الله عليه وسلم-: المال والجمل لك ..أتراني ماكستك لآخذ جملك ..؟ يعني أنا لم أكن أطالبك بخفض السعر لأجل أن آخذ الجمل وإنما لأجل أن أقدر كم أعطيك من المال معونة لك على أمورك .. فطوبى لمن كان من هؤلاء السعداء الذين هم ممن قال الله فيهم: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } [ الطلاق/2] وإنك لتحزن .. إذا رأيت مسلمين عقلاء .. يلتمسون السرور وسعة الصدر .. بالاجتماع على مشاهدة محرم .. أو الحديث عنه .. أو مزاولته .. في بيت أو بستان .. أو متنزّه .. أو في جلسة على طريق أو شاطئ .. في مجالس لا تقربها الملائكة .. ولا تغشاها الرحمة .. ويتفرقون عنها بصدور ضيقة .. وأنفسٍ مكتئبة .. ويزين بعضهم لبعض هذا المنكر .. وكأنهم قد اجتمعوا على مباح أو طاعة .. وكأن ليس لهم إله يراقبهم .. ولا ربٌ يحاسبهم .. وتبحث عنهم في مجالس الذكر فلا تجدهم .. ثم يوم القيامة يكفر بعضه ببعض ويلعن بعضهم بعضاً .. وقد قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والحاكم : ( أيما قوم جلسوا .. فأطالوا الجلوس .. ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله .. ويصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم .. إلا كانت عليهم من الله ترة ( أي ثأر وعقوبة ) إن شاء الله عذبهم .. وإن شاء غفر لهم ) .. وإنه ليشتدّ حزنك أكثر .. إذا رأيت فتيات مسلمات .. هن حفيدات خديجة وفاطمة .. وأخوات حفصة وعائشة .. قد طهّر الله قلوبهن من الشرك .. وأعينهن من الخيانة .. وحفظ فروجهن من الفجور .. قد سلم لهن الأسماع والأبصار .. وتفضل عليهن بالستر والعافية .. لم تروّع إحداهن في بلدها .. ولم تفجع في أبيها ولا ولدها .. لم يغتصبها فاجر .. ولم يعتدِ عليها كافر .. ومع كل هذه النعم تجد إحداهن تتسكع سوق .. وتنساق وراء شهوة .. في هاتف .. أو مجلة .. أو صداقة فاجرة .. وتخالف ربها بتقليد الكافرات .. في اللباس والمظهر .. وقد يكون نظرها إلى القنوات .. وتقليبها للمجلات .. أكثرَ من نظرها في السور والآيات .. وحضور مجالس الصالحات .. وتظن المسكينة أن السعادة فيما تفعله .. أو تزينه لها صديقاتها .. أو يحتال به عليها ذئب فاجر .. أو شاب غادر .. ولا يلبث كل ذلك أن ينقلب عليها شقاءً وضيقاً .. والعبد حتى لو حصل شيئاً من ملاذه فتمتع بها .. وسعِد بتحصيلها .. فإنه لا يلبث حتى يملها .. ويذهب عنه ذهوله .. وتتحول هذه الملاذّ إلى أسباب ضيق وملل وبلاء و تعاسة .. ذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم أن المسلمين غزو حصناً من حصون الروم .. وكان حصناً منيعاً .. فحاصروه وأطالوا الحصار وتمنع عليهم .. وأثناء حصارهم أطلت امرأة من نساء الروم فرآها رجل من المسلمين اسمه ابن عبد الرحيم .. فأعجبته .. وتعلق قلبه بها .. فراسلها : كيف السبيل إليك ؟ فقالت : أن تتنصر .. وتصعد إليَّ .. فتنصّر وتسلل إليها .. مسكين ظن أن السعادة في امرأة ينكحها .. وخمر يشربها .. ونسي أن السعادة العظمى هي مصاحبته لهؤلاء الأخيار يصوم ويصلي .. ويقرأ ويجاهد .. فلما فقده المسلمون اغتموا لذلك غماً شديداً .. ثم طالت بهم الأيام ولم يستطيعوا فتح الحصن فذهبوا .. فلما كان بعد مدة مرّ فريق منهم بالحصن فتذاكروا ابن عبد الرحيم .. فتساءلوا عنه .. وعلى أي حال هو الآن ؟! .. فنادوا باسمه : يا ابن عبد الرحيم .. فأطلَّ عليهم .. فقالوا : قد حصلت ما تريد .. فأين قرآنك وعلمك ؟ ما فعلت صلاتك ؟ فقال : لقد أنسيت القرآن كله .. ولا أذكر منه إلا آية واحدة .. قوله تعالى : { رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } [ الحجر/2] قال الله :{ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [ الحجر/3] فهذه هي السعادة الحقيقية .. واللذة الأبدية .. التي ضيع طريقها الكثيرون .. هذه هي السعادة التي يعيش بها المرء حياة المطمئنين .. فيا من فقد السعادة .. إن كنت تريد السعادة .. فقد عرفت طريقها .. واحذر من خداع إبليس الذي يوسوس لك بالنظر إلى المحرمات .. والوقوع في الشهوات .. يمنيك بالمتعة والسرور .. والأنس والحبور .. فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور .. ويحصل ما في الصدور .. وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله .. وينظر كل عبد ما قدمت يداه .. واعلم بأن السعداء إذا ذكروا تذكروا .. ذاك الفضيل بن عياض .. كان سارقاً قاطع طريق .. فقفز في بيت في ظلمة الليل .. فسمع قارئاً يقرأ قوله تعالى : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [ الحديد/16]. فبكى الفضيل وقال : ربِّ بلى قد آن .. ربِّ بلى قد آن .. ثم قصد المسجد من ساعته وتاب واستعدَّ للقاء ربه . وذاك زاذان الكندي الإمام المحدث كان صاحب لهو وطرب .. فكان مرة في السوق يعزف له رفقاؤه وهو في وسطهم يغني فمر بهم عبدالله ابن مسعود الصحابي الجليل فرأى حالهم فتفرقوا عنه وصاح بهم ثم أمسك بزادان وهزه وقال لو كان مايسمع من حسن صوتك ياغلام بقراءة القرآن كنت أنت انت المرتفع شأنه عند ربه .. وكنت انت المقرب عند ربه في جناته ثم مضى عبدالله ابن مسعود .. فالتفت زادان إلى من بقي من اصحابه وسألهم من هذا ؟؟ قالوا له هذا عبدالله ابن مسعود قال عبدالله ابن مسعود صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا له نعم .. فبكى زادان ومضى يبكي حتى صاح بابن مسعود-رضي الله عنه- فوقف له ثم جعل يبكي بين يدي عبد الله بن مسعود .. وقال قد تبت والله مما اقعل .. قد حاربت الله والان تبت إلى الله فاعتنقه عبد الله بن مسعود .. وبكى وقال : مرحبا بمن أحبه الله.. ثم لازم زاذان ابن مسعود حتى تعلم القرآن والحديث .. وصار إماماً في العلم .. بعدما كان موسيقيا .. مطربا مغنيا.. وذاك القعنبي الإمام المحدث .. كان في شبابه يشرب النبيذ ويصحب الأحداث .. فدعى أصحابه يوماً .. وقعد على الباب ينتظرهم .. فمر شعبة بن الحجاج الإمام المحدث على والناس خلفه يهرعون .. فقال القعنبي : من هذا ؟ قيل : شعبة .. قال : وما شعبة ؟ قالوا : محدث .. فقام إليه وعليه إزار أحمر .. فقال له : حدثني .. يعني ما دمت محدثاً فحدّثني .. فقال له : والله ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك .. وكانوا يصونون حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ان يصب في آذان الفساق الذين لايقدرون قدره ولايحترمون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فغضب القعنبي لما امتنع شعبة من تحديثه فأشهر سكينة وقال: تحدثني أو أطعنك ؟ فالتفت إليه شعبة وقال : حدثنا منصور .. عن ربعي .. عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت .. فلما سمع القعنبي هذا الحديث .. وافق منه قلباً صافياً .. وتذكر انه يعصي ربَّه منذ سنين ولم يستحي منه .. ورمى سكينه ورجع إلى منزله . فقام إلى جميع ما كان عنده من الشراب فهراقه .. ثم استأذن أمه بالسفر إلى المدينة لطلب العلم .. ومضى من وقته ولزم مالك بن أنس .. حتى حفظ عنه وأصبح من كبار العلماء المحدثين .. وسبب هدايته موعظة عابرة .. لكنها صادفت قلباً حياً .. فهل انت من هؤلاء .. هل تجد عندك قلب مثل هؤلاء القلوب تراقب علام الغيوب .. وتخشى عاقبة الذنوب.. ان كنت كذلك.. فابشر بمرافقة المتقين وتهيأ للجنات وأدم ذكر ربك على جميع أحوالك .. واحرص على مجالسة الصالحين .. وحضور دروس العلم والدين .. فإن للذكر من شرح الصدر .. ولذة العمر .. ما لا يوصف .. وابكِ بين يدي ربك .. واعترف بتقصيرك وذنبك .. واعترف بنعمته عليك .. وقل : يا مـنزل الآيـات والفـرقان بـيني وبينـك حـرمة القرآن اشرح به صـدري لمعرفة الهدى واعصـم به قلبي من الشيطـان يســر به أمري واقض مآربي وأجرْ به جسدي من النيران واحطط به وزري وأخلص نيتي واشدد به أزري وأصلح شاني واكشف به ضري وحقق توبتي أربِح به بيعي بلا خسران طهر به قلبي وصفِّ سريرتي أجمل به ذكري وأعلِ مكاني واقطع به طمعي وشرِّف همتي كثِّر به ورعي وأحيي جناني أسهر به ليلي وأظم جوارحي أسبِل بفيض دموعها أجفاني أمزجه يا ربي بلحمي مع دمي واغسل به قلبي من الأضغان أنت الذي صوَّرتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن أنت الـذي أطـعمتني وسقيتني من غـير كسب يد ولا دكـان وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان أنت الـذي آويتــني وحبوتني وهـديتني من حيرة الخذلان وزرعـت لي بين القلوب مودة والـعطفَ منـك برحمـة وحنان ونشـرت لي في العالمين محامداً وسترت عن أبصــارهم عصيـاني وجعلت ذِكري في البريّة شائعاً حـتى جعـلت جميعهـم إخـواني والله لو علــموا قبيح سريرتي لأبى السـلام علـيَّ مـن يلقـاني ولأعرضوا عني ومـلّوا صحـبتي ولبؤت بعـد كـرامـة بهــوان لكن سترت معـايبي ومثـالـبي وحلُـمتَ عـن سقطي وعن طغياني فـــلك المحامد والمدائح كلها بخواطـــري وجوارحي ولساني ولقـد مننت عليَّ ربِّ بأنعُــمٍ مـا لـي بشكـر أقلِّـهن يـدان فوَحـق حكمتـك التي آتيتـني حـتى شـددت بنـورها أركـاني لإن اجتبتني من رضاك مـــعونة حــــــتى يقوي أيدُها إيماني لأُسبحنـك بكــرة وعشيـة ولَـتخدمنك في الـدجـى أركـاني ولأذكرنـك قائمـاً أو قـاعداً ولأشـكـرنك سـائر الأحيــان ولأكتمنَّ عن الـــبرية خِلّتي ولأشكــــونّ إليك جهد زماني ولأجعلنّ المقلتين كـلاهــما من خشيـة الــرحمـن باكيتـان ولأجعلن رضاك أكبر هـِمـتي ولأقبضـنّ عـن الفـجـور عنـاني ولأمنعن النفس عن شهواتهـــا ولأجعـلن الـزهد مـن أعــواني ولأحسمن عن الأنام مطامعي بحســـــام يأس لم تشبه بنان ولأقصدنك في جميع حوائجــي من دون قصـد فــلانة وفــلان ولأتلونَّ حروف وحيك في الـدجى ولأُحـرِقــنّ بنـوره شيـطـاني اللهم أنا نسألك عيش السعداء .. وموت الشهداء .. والحشر مع الأتقياء .. ومرافقة الأنبياء .. اللهم أنا نسألك من الخير كله ..


اضف تعليق
الإسم أو اللقب:
اعد كتابة الأرقام التي في الصورة:

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."